الذهبي

149

سير أعلام النبلاء

يقول : إن لظواهر الآيات والأحاديث بواطن ، هي كاللب ، والظاهر كالقشر ، وقال : لكل آية ظهر وبطن . فمن وقف على علم الباطن ، فقد ارتقى عن رتبة التكاليف ( 1 ) . وكان أبو عبد الله ذا مكر ودهاء وحيل وربط . وله يد في العلم . فاشتهر بالقيروان ، وبايعته البربر ، وتألهوه لزهده ، فبعث إليه متولي إفريقية يخوفه ويهدده ، فما ألوى عليه . فلما هم بقبضه ، استنهض الذين تبعوه ، وحارب فانتصر مرات ، واستفحل أمره ، فصنع صاحب إفريقية صنع محمد ابن يعفر صاحب اليمن ، فرفض الامارة ، وأظهر التوبة ، ولبس الصوف ، ورد المظالم ، ومضى غازيا نحو الروم ، فتملك بعده ابنه أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد ، ووصل الأب إلى صقلية ، ومنها إلى طبرمين ( 2 ) فافتتحها . ثم مات مبطونا في ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومئتين . كانت دولته ثمانيا وعشرين سنة ، ودفن بصقلية ( 3 ) . وشهر الشيعي بالمشرقي ، وكثرت جيوشه ، وزاد الطلب لعبيد الله ، فسار بابنه وهو صبي ومعهما أبو العباس أخو الداعي الشيعي فتحيلوا حتى وصلوا إلى طرابلس المغرب ، وتقدمهما أبو العباس إلى القيروان ، وبالغ زيادة الله الأغلبي ( 4 ) في تطلبهما ، فوقع بأبي العباس فقرره ، فأصر على الانكار ، فحبسه برقادة . وعرف بذلك المهدي فعدل إلى سجلماسة ، وأقام بها يتجر ، فعلم به زيادة الله ، وقبض متولي البلد على المهدي وابنه . ثم

--> ( 1 ) راجع كتاب " فضائح الباطنية " للغزالي . ( 2 ) في الأصل : طرمين . وهو تحريف . قلعة بصقلية حصينة . " معجم البلدان " / 4 / 17 . ( 3 ) " البيان المغرب " : 1 / 131 - 132 . ( 4 ) له ترجمة في " الحلة السيراء " : 1 / 175 - 178 .